محمد بن الطيب الباقلاني

255

الإنتصار للقرآن

وأما قولهم إنّه قد / ساغ وظهر في الصحابة أنّ قوما منهم ادّعوا أنّ بسم [ 147 ] اللّه الرحمن الرحيم آية من القرآن فلم ينكر ذلك الباقون ولا اعترضوا فيه بشيء : فإنّه باطل ، وأول ما فيه أنّنا لا نعلم أنّ ذلك شاع وظهر في الصحابة ، لأنّ ذلك لم يرو عن أحد منهم إلا عن عبد اللّه بن عباس ، والأخبار الواردة عنه بذلك أخبار آحاد لا نجد أنفسنا عالمة بصحّتها لا اضطرارا ولا نظرا واستدلالا ، فلا حجّة فيها . على أنّه يمكن لو صحّت الأخبار التي قدّمنا ذكرها عن ابن عباس في هذا الباب وعلم بثبوتها : أن يكون كفّ القوم عن إنكارها لأنّه لم يظهر ويشيع فيهم ، وإنّما يجب أن ينكروا ما تأدّى إليهم ، وقد يمكن أن يكون أيضا إنما تركوا إنكار قوله لذلك ، وإنّما قال : « سرق الشيطان من إمام المسلمين آية ، ومن ترك قراءة بسم اللّه الرحمن الرحيم ترك من كتاب اللّه آية » ونحو ذلك ، وهذا كلّه قوله ورأيه وليس فيه ما رفعه إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه ، فقد بيّن بترك الذكر لذلك الشكّ في صحّة مذهبه وعدم العلم بأنّه حقّ أو باطل ، وقد يترك كراهة المناظرة عليه والعلم بأنّه ليس من الأمّة قائل بذلك ، وأنّه لا شبهة في بطلانه ، وأن المناظرة عليه تغري صاحبها بالتمسّك به ، وقد ينزل اللّه عليه لاعتقاد كثير منهم أنّ ذلك مسألة اجتهاد وأنّ الغلط فيها سهل مغفور لموضع أنّ الرسول كان يفتتح السّور بها ، وربما جهر بها إمام الجهر في صلاته ، وأنّ ذلك قائم مقام توقيفه على أنّها قرآن منزل ، فيصير ذلك محلّه التأويل ، والصحيح أنّ هذه الأخبار غير ثابتة ولا معلومة عن ابن عباس ، فلا وجه لدعوى ظهور هذا القول وانتشاره في الصحابة مع الإمساك عليه .